مملكة الثقافات Kingdom of Cultures

تاريخ التحديث: أكتوبر 11

(المملكة العربية السعودية أرض الناس الطيبة ومهد الحضارات، امتزجت في تضاريسها المتباينة أعمق الثقافات وتنوعت بين أهاليها أعذب العادات، وجاء معرض "مملكة الثقافات" ليروي حكايات أرض المملكة الساحرة للزوار على ألسنة ناسها ويجمع تشكلات البيئة المذهلة في تجارب غامرة استثنائية.

سيأخذ المعرض زواره في رحلة تتقاطع فيها شمال المملكة بجنوبها وستتماهى جبالها مع بحارها حيث ستروي أهاليها حكاياتهم وحرفهم ولهجاتهم، عبر محتوى ثري يجعلك ترى المملكة كما لم تراها من قبل).

هذه كانت المقدمة التي كتبت على حائط استقبال الزوار في معرض مملكة الثقافات، في مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي – إثراء. قد يتساءل البعض ما لذي قدمه هذا المعرض مختلفا عما قدمته المعارض الأخرى، التي كانت تهدف لتمثيل وتقديم ثقافة المملكة العربية السعودية؟

لقد اعتاد معدوا محتوى المعارض التي تهدف لتمثيل وتقديم المملكة العربية السعودية إلى تمثيل المملكة بعناصر ثقافية محدودة وضيقة متمثلة بحياة البادية، الخيمة، الجمال، القهوة العربية، التمر والبلح، اللباس البدوي التقليدي، وتسليط الضوء على مدينتين أو ثلاثة رئيسية، منها قبلة المسلمين مكة المكرمة، والعاصمة الرياض. وهذا برأيي إجحاف بحق المملكة العربية السعودية، هذه المملكة التي تبلغ مساحتها أكثر من ٢ مليون كيلو متر مربع، يسكنها أكثر من ٣٤ مليون نسمة، وتعود حضاراتها إلى الاف السنين، وتتنوع بيئاتها ومصادرها الطبيعية، لا يمكن تمثيلها بمحتوى يمثل نطاق صغير جدا، وقطرة من فيض.

دعونا أولا نعرف مصطلح الثقافة، فالثقافة هي ذلك الجزء من البيئة الذي صنعه الإنسان متمثلا في اللغة، العادات، التقاليد، المعتقدات، الأفكار، القيم، المعارف، الحرف، طرق التفكير، طرق المعيشة، القصص والأساطير، الألعاب، معايير الجمال وأدواته، الموسيقى والغناء، مختلف الفنون، وسائل التنقل، اللباس وغيرها، كما هناك جزء اخرى من الثقافة متمثل بالبيئة الجغرافية، المصادر الطبيعية، المواقع التاريخية والتراثية، التطور الحضري والعمراني وغيرها. وتكمن أهمية الثقافة، كما أعربت عنها منظمة الأمم المتحدة (اليونيسكو)، بأن الثقافة هي التي تترجم كياننا، وأنها العنصر المؤسس لهويتنا. لذلك تم إدراج الثقافة في جدول الأعمال الدولي للتنمية المستدامة عام ٢٠١٥، والتي تهدف إلى حماية الثقافة وتطويرها فتساهم بدورها في توفير مدن آمنه ودائمة، نمو اقتصادي، حماية للمحيط، ومجتمعات سليمة وشمولية.

أن مهمة تمثيل وتقديم ثقافة أي دولة ليست بالمهمة السهلة. يجب على صناع المحتوى أن يلموا بمختلف جوانب الثقافة التي تتميز وتنفرد بها أوطانهم. لأن في نهاية المطاف، هم مسؤولون عن المحتوى الذي سيقدمونه للناس وما سيعكسه هذا المحتوى من مخرجات سيتناقل عبر القنوات المختلفة من بلد إلى بلد ومن جيل إلى جيل، وسيعرف العالم بأكمله بأن هذه الدولة تمتاز بكذا وكذا من العناصر الثقافية. فتقيم الدولة من خلال هذا المحتوى بالمتقدمة أو النامية، بالغنية أو الفقيرة، بالمواكبة للعصر أو المتخلفة، بالمتنوعة أو المتشابهة، بالمنفتحة على العالم أو المنغلقة وغيرها من التقييمات.

أن للمملكة العربية السعودية ثقافة متنوعة وفريدة، فهي غنية بعناصر ثقافية أعمق بكثير عما يمثله صناع المحتوى ممثلي ثقافة المملكة. هنا يظهر الدور الكبير لمعرض مملكة الثقافات في إثراء، حيث غير هذا المعرض مفهوم صناعة المحتوى الثقافي وقدموا نموذجا يحتذى به لكل من أراد أن يمثل ثقافة المملكة العربية السعودية. فالمملكة بحق مملكة للثقافات، وهذا ما ستراه في أول منطقة في المعرض والذي تتمثل بصور لوجوه مختلفة لسكان المملكة، تقص ملامحهم وأزيائهم وخلفياتهم البيئية حكايات وقصص عمن سكن هذه الأرض الطيبة. ومن ثم تتعرف على مختلف الفنون الشعبية حيث تمتاز كل منطقة بحركات متناغمة، يصحبها أنغام موسيقية، وكلمات شعرية، تسمى باللعب، وهي رقصات تؤدى للتعبير عن الانتصارات في الحروب والمعارك. ويأتي بعد ذلك منطقة الحرف، التي اتقنها سكان المملكة مستفيدين من الموارد الطبيعية المحيطة ببيئاتهم، لتلبية احتياجات المعيشة.

ثم ينتقل الزائر إلى منطقة القصص والأساطير، تلك القصص التي نسجت من الخيال وطعمت بالمبالغة وسردت بأسلوب قصصي مثير ومشوق، يحكي روايات عن العشق، والترابط الأسري، والتعبير عن الفرح والسرور، كما لا يخلو طرحها من العظة والعبرة وتأصيل القيم، ومنها استلهم الشعراء قصائدهم الغزلية. كما لم يتجاهل القيمون على المعرض الحضارات القديمة، التي سكنت أرض الجزيرة العربية منذ الاف السنين، مخلفين ورائهم آثار تاريخية قيمة، وقصص انتصارات مخلدة، ومباني أثرية عجيبة. وما أجمل أن تسجل مدننا التاريخية ومواقعنا الأثرية، ويعترف بها عالميا من قبل منظمة الأمم المتحدة، كمواقع فريدة ومميزة، تستحق الزيارة مثل واحة الإحساء، مدائن صالح، جدة التاريخية وغيرها الكثير.

وبعد ذلك يتعرف الزائر على مختلف البيئات الجغرافية للمملكة، والتي تتنوع بين مرتفعات، صحاري، غابات، واحات، وديان سهول، وبحار. وهنا يتعرف الزائر أن المملكة ليست مجرد صحراء قاحلة بل تعد السعودية رابع أكثر دولة عربية في مساحات الغابات، والتي تساوي تقريبا مليونين هكتار، وتحوي أكثر من ١٠٠ نوع من الأشجار و٢٥٠٠ نوع من الشجيرات والأعشاب. ويعيش فيها أصناف مختلفة من الطيور والحيوانات والحشرات. كما لبحارها ثروات طبيعية لا تتواجد في غيرها من البحار والمحيطات.

يختم الزائر جولته في المعرض بتجربة فريدة، حيث يستمتع بشاشات تفاعلية ضخمة، تأخذه لمختلف المناطق، المدن، والمواقع في المملكة، والتي تتباين في بيئاتها، مبانيها، طبيعتها والتي من شأنها خلق تصور مختلف وجديد عما هو متعارف عليه عن المملكة.

كما لم يغفل القيمون عن هذا المعرض، أهمية التقنيات الحديثة في هذه التجربة من مرشد جولة صوتي، شاشات عرض ضخمة لصور وتسجيلات مرئية، إلى شاشات عرض تفاعلية ترفيهية وتعليمية. هذه التقنيات ساهمت بشد انتباه الزوار الصغار قبل الكبار، لكونها تتكلم بلغة يتقنها هذا الجيل، لغة التقنيات والأجهزة الإلكترونية، فباتوا يهيمون بعالم هم رواده وقادته، يتنقلون بين اقسامه منبهرين وفرحين بما تعلموه ومتحمسين لنقل هذه الثقافة لأقرانهم واصحابهم.

يفتح هذا المعرض باب كبير في مجالي البحث والابداع. البحث عن العناصر الثقافية المختلفة التي تكون ثقافة وطننا، بهدف إثراء المحتوى الثقافي والمعرفي للمملكة العربية السعودية، الذي يعكس حقيقة وجمال وتنوع هذه الأرض. والإبداع في طرق وأساليب تقديم وتمثيل وحفظ وتناقل هذه الثقافة بين افراد المجتمع السعودي، والعربي، والعالمي، وتناقلها ايضا من الجيل الحالي إلى أجيال المستقبل.

بقلم عبير البحراني






114 مشاهدة
 

Subscribe Form

00966599851311

©2019 by Abeer Al Bahrani. Proudly created with Wix.com