مذكرات كوفيد ١٩ Covid- 19 Diary

تاريخ التحديث: سبتمبر 26

يا من تأتي من بعدي، اغلق عيناك لتتخيل معي، شوارع وطرقات موحشة، مركبات متوقفة منذ زمن يعلوها الغبار، محلات مقاهي ومطاعم مغلقة، مجمعات تجارية منتزهات وشواطئ تخلو من الأنفاس، مدارس جامعات مساجد مقرات للعمل لا ترتادها الأرواح. مطارات وسكك الحديد فارغة تماما من البشر. ما لذي حدث؟ هل توقفت ساعة الزمن؟ اين اختفى سكان الأرض؟ هذا ليس مشهد من فيلم ولا قصة خيالية، بل حقيقة وحدث واقعي، بطلها ظهر من خلف الكواليس، من اللامكان واللازمان، ليحكم على الناس بالخوف والهلع، ويجبرهم للخضوع لقوانينه، قوانين لم يعتداها الناس، قوانين جديدة وبعضها قاسي. اخضعهم للتباعد الاجتماعي بعدما اعتادوا التقارب والتواصل، اخضعهم للبقاء في المنازل بعدما اعتادوا التنزه والتجول وقضاء احتياجاتهم، حكم دكتاتوري ومجحف في حق الإنسانية. هذا البطل المتمثل بفيروس يسمى كرونا، اعتد بنفسه وقواه الخارقة بغزو اجسامنا واحتلال اجهزتنا التنفسية بسرعة تفوق التصور، تباهى بقدرته على نشر وانتشار وبائه بين الناس بلمح البصر، أغتر بسيطرته على عدد كبير من الناس في وقت قصير ليزرع القلق بيننا ويحكم سيطرته علينا. فامتلأت المصحات والمشافي بالمصابين بهذا الوباء وسجل كل يوم اعداد هائلة من ضحايا هذا الوباء وبات الناس في هلع وخوف. وبدأت التكهنات والتساؤلات ما لحل، وإلى متى، وكيف، وإلى أين؟ لكن هذا البطل الخارق لم يقم بدراسة وافية لخطته الشريرة، كيف تقف ندا لمخلوقات وهبها الله العقل والفؤاد، مخلوقات تأبى أن تقف عاجزة أمام المعضلات، مخلوقات تعشق التحديات، مخلوقات تحب الحياة التي خلقها الله فيها خلفاء. لم يعي هذا الفايروس أنه تسبب في خلق قوانين جديدة مغايرة لقوانينه، قوانين من شأنها تغيير المسيرة البشرية إلى ما هو أفضل وأقوي. تتسأل كيف تخلق قوانين إيجابية في ظل هذه الفوضى؟ امضي معي لأقص عليك ما حدث، خرج من بيته من زرع في قلبه حب الله والوطن والإنسانية من الأطباء والطاقم الصحي والشرطة وجميع من له دور في المحاربة في الصفوف الأمامية ضد هذا المرض معرضين أنفسهم للخطر من أجل سلامة الأخرين وهذا دليل قوي لقوتنا التي تنبع من الإيمان والحب التي لا يضاهيها سلاح أخر. تكاتف الناس لمعاونة اخوتهم المتضررين بمد يد المعونة والمساعدة ليجتاحوا سويا هذا الوقت العصيب لنصبح كالبنيان المرصوص امام العدو، فانطلقت المبادرات والاعمال التطوعية والخيرية بهذا الصدد من كل نبع وصوب. نعم، تباعدنا بالجسد ولكن أصبح تواصلنا مع كل من نحب ونرغب أكبر واقوى، فقد تزاحمت اجهزتنا بصور وأصوات أفراد العائلة البعيدة عنا، نتحدث معهم في كل وقت وحين، بعدما كننا نحتج بعدم وصلنا لهم لضيق الوقت وكثرة المشاغل. اكتظت مخازن أجهزتنا بالكتب، المقالات، والفيديوهات المعرفية، الثقافية، والترفيهية التي لم تسمح لنا حياتنا السابقة أن نتصفحها، فالان لنا متسع المجال لقراءتها ومشاهدتها. ظهرت اللوح البيضاء والفرش التي مازالت ناعمه من قل الاستخدام من أرفف الزمن البعيد لتكون لنا أروع اللوحات الفنية ذات الألوان البراقة المفرحة. عمرت موائدنا بألذ الأطباق الذي لم يتصور طاهيها أنه باستطاعته اتقانها لعدم خوض هذه التجربة من قبل. تشارك أفراد العائلة مكان واحد ليتسامروا وتبادلوا مختلف الحديث يرأسهم والدهم ووالدتهم بعد فترات طويلة من التفرق بسبب الانشغال بالأعمال والدراسة. تنافس الناس عبر قنواتهم الاجتماعية بالتعلم والتعليم والمشاركة بما يتقنونه من مهارات وهوايات وعلوم والتي كانت سبب في اكتشاف مجالات لشغف جديد لدى الكثير. انتعشت الأعمال بالأفكار الجديدة والسياسات المبتكرة والخطط للمضي قدما نحو النجاح. أصبحنا جاهزين للانطلاق نحو حقبة جديدة من حياة البشرية، حقبة لن تكون كما عهدنا سابقا، بل حقبة يملأها التفاؤل والأمل والقوة والإصرار، حقبة مليئة بالإبداع والابتكار، حقبة مليئة بالثقافة والفنون، حقبة مليئة بالعلم والمعرفة، حقبة يموت فيها البطل الذي ظهر في أول القصة ويعود دور البطولة لمن يستحقها من البشر. أما الان افتح عيناك واستمر في الحياة ولعب أدوار البطولة.


مشاركتي في مبادرة إثراء (مذكرات كوفيذ ١٩) على الرابط

https://www.ithra.com/ar/daily-journal/





6 مشاهدة
 

Subscribe Form

00966599851311

©2019 by Abeer Al Bahrani. Proudly created with Wix.com